الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
92
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قوله : لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ بقوله : يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً أي يفعلون ذلك ليوافقوا عدد الأشهر الحرم فتبقى أربعة . والموطأة الموافقة ، وهي مفاعلة عن الوطء شبه التماثل في المقدار وفي الفعل بالتوافق [ في ] وطئ الأرجل ومن هذا قولهم ( وقوع الحافر على الحافر ) . و عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ هي عدّة الأشهر الحرم الأربعة . وظاهر هذا أنّه تأويل عنهم وضرب من المعذرة ، فلا يناسب عده في سياق التشنيع بعملهم والتوبيخ لهم ، ولكن ذكره ليرتّب عليه قوله : فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ فإنّه يتفرّع على محاولتهم موافقة عدّة ما حرم اللّه أن يحلّوا ما حرّم اللّه ، وهذا نداء على فساد دينهم واضطرابه فإنّهم يحتفظون بعدد الأشهر الحرم الذي ليس له مزيد أثر في الدين ، وإنّما هو عدد تابع لتعيين الأشهر الحرم ، ويفرّطون في نفس الحرمة فيحلون الشهر الحرام ، ثم يزيدون باطلا آخر فيحرّمون الشهر الحلال . فقد احتفظوا بالعدد وأفسدوا المعدود . وتوجيه عطف فَيُحِلُّوا على مجرور لام التعليل في قوله : لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ هو تنزيل الأمر المترتّب على العلّة منزلة المقصود من التعليل وإن لم يكن قصد صاحبه به التعليل ، على طريقة التهكّم والتخطئة مثل قوله تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [ القصص : 8 ] . والإتيان بالموصول في قوله : عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ دون أن يعبّر بنحو عدة الأشهر الحرم ، للإشارة إلى تعليل عملهم في اعتقادهم بأنّهم حافظوا على عدة الأشهر التي حرّمها اللّه تعظيما . ففيه تعريض بالتهكّم بهم . والإظهار في قوله : فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ دون أن يقال فيحلوه ، لزيادة التصريح بتسجيل شناعة عملهم ، وهو مخالفتهم أمر اللّه تعالى وإبطالهم حرمة بعض الأشهر الحرم ، تلك الحرمة التي لأجلها زعموا أنّهم يحرّمون بعض الأشهر الحلال حفاظا على عدّة الأشهر التي حرّمها اللّه تعالى . وجملة زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ مستأنفة استئنافا بيانيا : لأنّ ما حكي من اضطراب حالهم يثير سؤال السائلين عن سبب هذا الضغث من الضلال الذي تملئوه فقيل : لأنّهم زيّن لهم سوء أعمالهم ، أي لأنّ الشيطان زيّن لهم سوء أعمالهم فحسّن لهم القبيح . والتزيين التحسين ، أي جعل شيء زينا ، وهو إذا يسند إلى ما لا تتغيّر حقيقته فلا